عماد الدين خليل

170

دراسة في السيرة

ولذلك أيضا يحدثنا مجاهد بأن الملائكة حضرت معركة أحد لكنها لم تقاتل لما كان من المسلمين ، كما يحدثنا عبد الحميد بن سهيل بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يمد يوم أحد بملك واحد « 1 » ، هذا بينما كان مقاتلو بدر قد تلقوا ساعة الصمود والصبر معونة سماوية قدرت بالاف من الملائكة مردفين ! كما تلقى الرجال الذين قاوموا وراء الخندق ، فيما بعد ، عشرين ليلة ، باذلين كل جهدهم وإمكاناتهم ، معونة إلهية أخرى جاءت على شكل ريح عاتية لم تدع للمعسكر الوثني ، بعد التصدع النفسي الذي أصابه ، فرصة للتجمع والتفكير والاستقرار ، فكان الانسحاب . . . ذلك هو منطق العون الإلهي الذي علمنا إياه الإسلام منذ تجربة الهجرة وما قبلها . . . إن مدد اللّه لا يتنزل إلا على أولئك الذين استكملوا الأسباب البشرية جميعا . . . حركة وعقلا وإرادة وتصميما ، وبدون ذلك لن تتنزل معونة اللّه حتى لو حبسوا أنفسهم في المساجد ليلا ونهارا . وجدت الوثنية العربية فرصتها للانتقام من المسلمين في أعقاب هزيمتهم في أحد وراحت توجه إليهم الضربات الغادرة كلما تمكنت منها ، متجاوزة في ذلك أعرافها وقيمها الجاهلية التي درجات عليها مئات السنين . فبعد وقت قصير من عودة الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد قدم عليه وفد من قبيلتي عضل والقارة في صفر ، وقالوا : يا رسول اللّه إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام . فبعث الرسول صلى اللّه عليه وسلم معهم سبعة من أصحابه . . . مرثد بن أبي مرثد ، خالد بن أبي البكير ، معتب بن عبيد ، عاصم بن ثابت ، خبيب بن عدي ، زيد بن الدثنة ، وعبد اللّه بن طارق ، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد « 2 » . فانطلق الدعاة يجتازون الصحراء حتى إذا بلغوا ماء الرجيع بين عسفان ومكة ، حيث تقطن بنو هذيل ، غدر بهم أعراب عضل والقارة ، فاستصرخوا عليهم هذيلا ، التي كان زعيمها سفيان بن خالد قد قتل على أيدي المسلمين في أعقاب أحد حيث حشد أتباعه للهجوم على المدينة ، فلم يرع الدعاة إلا والرجال بأيديهم السيوف يحيطون بهم ، فشهروا أسيافهم ليقاتلوهم فقال لهم رجال بني هذيل : إنا واللّه ما نريد قتلكم ، ولكن نريد

--> ( 1 ) البلاذري : أنساب 1 / 322 . ( 2 ) يجعلهم ابن سعد عشرة : 2 / 1 / 39 .